لغتي هويتي

لغتي هويتي

هل ستندثر لغتنا العربية وتضيع في متاهات العولمة الثقافية والتقاليد الغربية؟

 قال الإمام ابن تيميّة رحمه الله: ”إنّ الّلسان العربي شعار الإسلام وأهله، والّلغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميّزون“، لعله أصبح من البديهي لأي قاطن في الإمارات أو دول الخليج بشكل عام، أو في دول المغرب العربي أن يبتدئك الكلام باللغة الإنكليزية أو الفرنسية وكأننا نعيش في لندن أو باريس وباتت اللغة العربية في الدرجات الدنيا من التداول الاجتماعي متناسين أننا نعيش في دول عربية مسلمة لغتها ولغة دينها العربية التي ارتضاها الله لكتابه الكريم ولنبيه العظيم، ولا تتم صلاتنا ولا كثير من مناسكنا إلا بها. وهي اللغة الرسمية لما يقارب 450 مليون شخص في العالم، وهي اللغة الأساسية لعدد كبير من الكتب والمؤلفات حتى المسيحية منها واليهودية في القرون الوسطى وما قبلها، وهي لغة العلم والثقافة والأدب والسياسة لقرون خلت، وأثرت في عدد كبير من المناطق واللغات الأخرى كالتركية والفارسية والعبرية والأوردو والإسبانية والبرتغالية والكردية والإندونيسية والألبانية. وهي أحد أهم اللغات السامية وأكثرها انتشاراً.

لكن على ما يبدو أنه لنا نحن البشر رأياً آخر مخالف لهذا ونرى أن الانكليزية أو الفرنسية هي لغات (رقي واتيكيت) كما يقال لكن إذا ما ترجمتها للواقع هي لغة (التكبر والتباهي) وإظهار أننا على مستوى معين من الثقافة وأن العربية أصبحت “موضة قديمة” ومن يستعملها يعتبر متخلف لا يواكب وكب الحضارة الزائفة، وللأسف بعض الشعوب العربية تعتبر اللغة العربية شيء غير حضاري وأن (هاي وباي وميرسي…) هي المفردات (الشيك) التي ينبغي أن نتداولها، حتى بات من يقول “السلام عليكم” ينظر له أحياناً شَزْراً كأنه من كوكب آخر. ولكن هؤلاء المتشدقون لا يعلمون أنهم يتكلفون هذا لما في نفوسهم من طباع أحدثها الخضوع والذل السياسي والاجتماعي بدايتاً من عهد الاحتلال الإنجليزي والفرنسي، وكرستها ثقافتنا الغربية المستوردة في حياتنا وتعليمنا. أو أنهم يعمدون إلى هذا ويريدون به عيب اللغة العربية وتهجينها، وذلك من عداوتهم للدين الإسلامي أو لقوميتنا العربية. وهناك بعض من يتكلم ببعض الكلمات الأجنبية غفلة منه وجهلا، ولكن هذا من تضليل وتداول وسائل الإعلام للكلمات الأعجمية، وكأن اللغة الإنكليزية التي هي وليدة بضعُ قرون من الزمن والتي تعتبر هجينة وغير ذات نسق وأرضية لغوية وقواعدية سليمة هي أفضل من العربية التي يناهز عمرها ثلاثة آلاف سنة والتي لا يشوبها عيب دوناً عن كافة لغات العالم. فالمتعارف عليه أن المغلوب مولع بالغالب، فهل أصبحنا نحن المغلوبين لهذه لدرجة التي نتنكر فيها لجزء من ذاتنا العربية وأصالتها وقيمنا؟!. ومن ناحية أخرى نوجه أصبع اللوم لنا نحن العرب لأننا سمحنا لهذا الأمر ليصل هذا المبلغ باستهانتنا بلغتنا وديننا وثقافتنا، لأن اللغة العربية ليست كباقي اللغات الأخرى لأنها مرتبطة بديننا الإسلامي ونكران حتى جزء منها يعتبر نكران لجزء من ديننا الحنيف والقرآن الكريم العربي وسنة نبيه العربي.

نحن لا نُنكر على الناس استعمال وتعلّم اللغات الأخرى لا بل نحضُّ على تعلمها ولكن كما قال الإمام مالك: “مع أنّ سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوّغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام”، لكن أكثر ما يثير حفيظتي هو أننا لو ذهبنا لنعيش في أي دولة أخرى من الدول التي تعيش جنسياتها على أرضنا وتكلمت معهم بأي لغة أخرى حتى الانكليزية لما أجابوك وطالبوك بتعلم لغتهم وفرضوها عليك لتعيش أو تتعلمأو بينهم، ولعل من درس وعمل بالخارج يعرف هذا الأمر تماماً بحيث أنه يجب أن يبدأ دراسة لغة البلد الذي يعيش فيه قبل متابعة تحصيله العلمي أو عمله، فإلا لن يستطيع التواصل مع أي أحد، وفرنسا أحد أبلغ الأمثلة بسياستها في الاستعمار اللغوي بنشر الفرنسية والتشجيع عليها بما تسميه الدول (الفرانكفونية) ونشرها عبر حوافز وجوائز سنوية لتشجيع انتشار الفرنسية، فلماذا لا يتم فرض هذا الأمر في دولنا العربية وخاصة الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي، حيث أنه على كل أجنبي يعيش على أرض هذه الدول، على الأقل أن لا يقبل أي عقد عمل له إلا بشهادة تجيزه التحدث بالعربية وإن بشكل بسيط، وكذلك الأمر بالنسبة للجامعات والمعاهد والمدارس. لقد سمحنا للأجانب بالعيش على أرضنا العربية ونحن نرحب بهم دائما وأبدا، ولكن هذا لا يعني أن نتخلى عن أحد أهم مكواتنا الأساسية ألا وهي لغتنا لأن ضياعها يعني ضياع هويتنا ومن بعدها ديننا، فكما نحن نحترم قوانينهم في بلادهم عليهم أن يحترموا قوانيننا وعاداتنا ولغتنا. ويجب على الحكومة اتخاذ إجراءات صارمة لوضع حد لهذا التدهور اللغوي المطرد لأننا بعد سنوات سنفقد لغتنا، ولعل أهم ما يمكن أن يبتدئ به من خلال وزارة العمل بحيث لا يقبل أي عقد عمل لأجنبي إلا مرفق بشهادة تفيد تحدثه اساسيات اللغة العربية حتى وأن أعطي تأشيرة عمل مؤقتة لفترة ستة شهور لحين استكمال الدورة بعد بداية عقد العمل ويتم تثبيت العقد بعدها بشكل دائم بعد التثبت من قدرته اللغوية، وعلى لجان التفتيش الدوري في الوزارة التحدث مع كل الموظفين في المنشآت بالعربية للتأكد من عدم تزوير هذه الشهادات وتفرض عقوبات بحق من يخالفها. وإن كان من الأصل توظيف العرب بدلا من كل هؤلاء الأجانب الذين لا ينتمون لديننا وقيمنا ولغتنا.

ومن الناحية الآخر هنالك الجهات الحكومية المعنية بها الأمر وعلى سبيل المثال البنك المركزي الذي لا أعلم سبباً لعدم فرضه على البنوك استعمال طلبات وأوراق مطبوعة بالغة العربية فقط، ولعل معظم القراء يدركون أن معظم البنوك حين تتقدم بطلب لقرض أو بطاقة أو فتح حساب أو أي معاملة أخرى تطبع بالإنكليزية وأنت توقع عليها ولا تعلم ما فيها حتى وإن كنت تتكلم الانكليزية لكن ليس من الممكن لشخص عادي فهم المصطلحات القانونية فيها. فلماذا تقبل هذه المستندات بلغة غير لغة الدولة الرسمية؟!، ويضاف لهذا فرض الإنكليزية في أكثر المواقع الالكترونية للبنوك وغيرها بدون أي خيار للغة العربية وقسم كبير من المتعاملين فيها عرب، بلّ ويمتد ذلك للإعلام، فأصبحنا نرى شخصيات سياسية واجتماعية واقتصادية مرموقة تتحدث بالإنكليزية بدلا من لغته الأم العربية، ومع كل صباح تستمع في سيارتك بطريقك للعمل لمذيعين ينطقون كلمتين بالعربية متبوعة بعشرة بالإنكليزية وكأن البريطاني والأميركي هم من مستمعيهم وهؤلاء إن سألتهم فلن يعرفوا اسم هذا البرنامج حتى ولا يقيمون بالاً لهؤلاء “المتأنكلزين”، ولكنها (فزلكة إعلامية) فحسب، هذا مع تجاوزنا للأخطاء اللغوية العربية الشنيعة في التقارير التي يقدموها والتي لا تمت للعربية إلا بحروفها ضاربين عرض الحائط بكل القواعد اللغوية، فكيف سيحترمنا الغرب إذا كنا نتذلل لهم بلغتهم متجاهلين لغتنا.

ولعل الخطر الأكبر هو في القطاع التعليمي حيث باتت العربية مغيبة خاصة في المدارس الخاصة وأصبح الطالب يتخرج ولا يستطيع كتابة موضوع بالعربية على عكس الانكليزية أو غيرها من اللغات، والدراسة التي قامت بها وزارة التعليم في الإمارات تظهر بأن اللغة العربية هي أضعف المواد في المناهج، قال الإمام ابن تيميّة رحمه الله: “معلومٌ أنّ تعلمَ العربية وتعليمَ العربية فرضٌ على الكفاية، وكان السّلف يؤدّبون أولادهم على الّلحن، فنحن مأمورون أمرَ إيجابٍ أو أمرَ استحبابٍ أن نحفظ القانون العربي، ونُصلح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنّة، والاقتداء بالعرب في خطابها، فلو تُرك الّناس على لحنهم كان نقصاً وعيباً”، وهذا يرجع لوزارات التعليم التي تراقب وتضع المناهج أولاً، وثانياً للأولياء الأمور الذين أصبحوا يظنون أن اللغات الأخرى ذات أهمية اكبر ويدرجون أبناهم في مدارس تعتني باللغات الأخرى متناسين فرض وجوب تعلم العربية لأنها لغة الدين والدولة. فلماذا هذا التجاهل كله للعربية؟، هل أصبح من المعيب استعمال العربية أم ماذا؟!

إن للغة التي يتحدث بها الشخص تأثيرا على شخصيته، وهذا واقع محسوس فالذين يتبجحون باللغات الأجنبية بلا حاجة، هم في الحقيقة متزعزعي الثقة داخلياً لأن من لا يملك الإيمان بعقيدته وقوميته ويترجاها في الآخرين هو كالغراب الذي يحاول أن يمشي كالطاووس ولكن في النهاية هو لن يصبح كالطاووس وبنفس الوقت لن يعود غراباً مرة أخرى لأنه نسي أصوله من كثرة تقليده ولهاثه وراء ما بيد غيره. وكما نبهنا سيدنا عمر بن الخطاب قائلاً: ”إياكم ورطانة الأعاجم”، وعالم اللغويات الغربي “بينيكوك”، الذي أظهر في أكثر من بحث، أقام فيه الدليل الحسي الاجتماعي على الرغبة الغربية المقصودة في “عولمة” الانجليزية، استلاباً لعقول الناشئة، وصرفاً لهم عن الدلالات العميقة التي تحملها لغاتهم الأم. لذا فهي مرتبطة بأهم جوانب الطبيعة البشرية ولا مناص من تأثير اللغة في طبع متكلمها. فخطاب من لا يعرف العربية أحياناً باللغة التي يفهمها هو لا بأس به، وليس فيه إشكال، قد صح هذا الفعل عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كوننا يغزونا هؤلاء القوم بثقافتهم ولغتهم، ثم نستعجم نحن قبل أن يستعربوا، مثل أن تجد بعض الناس إذا خاطب إنساناً غير عربي فبدلاً من إن يقول له لا أعرف، يقول: “ما في معلوم”. والصحيح أن يقول له لا أعرف، حتى يتعلم من تتحدث إليه اللغة الصحيحة، لكن مع الأسف الآن نخشى على أنفسنا أن نكون نحن الأعاجم لأن اغلب أولادنا إذا ما وضعت كتابا ما بين أيدهم باللغة العربية لا يستطيعون فهمه بالكامل ولا يستطيعون حتى كتابة أو قراءة صفحة بدون عدة أخطاء لغوية فادحة في قواعد بسيطة، وأصبحت معظم قرآتهم وكتاباتهم بلغة غير لغته الأم، نحن لا نتطلع لعالم جِهْبذُ في اللغة العربية بل أن يكون يدرك لغته ولغة دينه ليتواصل معها ويستطيع بالتالي إيصالها لأولاده من بعده، لكن على ما يبدو أن هذه الحبائل التي بنيت منذ أجيال باتت تتقطع الواحد تلو الآخر لأننا على هذه الوتيرة بعد عدة أجيال سنجد من أحفادنا من لا يتحدث العربية ويفهم كتاب الله وسنة نبيه.

والأدهى والأمرّ انتشار تسمية أبنائنا بأسماء غير العربية على أساس أنها “على الموضة” وأسمائنا العربية ذات المعاني العميقة أصبحت بالية ومتخلفة ومن المعيب أن نستعملها، فقد ورد عن الشافعي كرهه لمن يعرف العربية أن يسمي بغيرها، وأن يتكلم بها خالطاً لها بالأعجمية. والآن هناك من الناس من يسمون بأسماء الأعاجم مثل: ميرفت وناريمان وشيرهان وشيرين ونيفين… فهذه أسماء أعجمية، وكذلك يسمون بأسماء مرتبطة بالديانات الأخرى: سوزان، ديانا…، وقد يكون الاسم معناه قبيحاً وفيه شرك أو كفر ويسمون به حتى دون أن يدركوا معناه، وصدق الصادق الأمين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي أخرجه البخاري: (لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم) قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟).

نحن لا نريد أن نرى أي موظف أو عامل لا يتكلم العربية خاصة في الأماكن المفصلية في حياتنا أو أي مكان يتواصل به الأشخاص في الجهات الحكومية والعامة والخاصة، وأن تكون الإنكليزية هي الخيار الثاني الإضافي وليست الأساسي كما هو واقع الحال. وأن كان للأسف حتى بعض الجهات الحكومية تتعامل بالإنكليزية كلغة أساسية، فمثلا لوحات السيارات تصنف بنظام الأحرف الإنكليزية وكأن الأحرف العربية لا تكفي للتصنيف، والهيئات الحكومية تسمح بتسميات إنكليزية بدون تعريب لأسماء الرخص التجارية، وحتى إن ترجمتها فتترجم بنفس اللفظ الإنكليزي لتكون كالذي فسر الماء بالماء، لا بل إن بعضها لأسماء مشركين وتشير لأسماء آلهة، فضلا عن بعض المواد الغذائية التي تعرض في المتاجر بدون أي وصف باللغة العربية عليها.

وما يثير الضحك لا بل السخرية الأغاني العربية التي تنتهي بشارة وأسماء مكتوبة بالإنكليزية وكأن من في الغرب هم من يشاهدونها وهم بالحقيقة لا يعلمون عن هذا المطرب شيئاّ وإن كان من كبار المطربين لا من قريب ولا من بعيد ولا يقيمون له بالاً ولا بأغانيه. وهناك الكثير من التجاوزات في هذا المضمار لا يسعنا تداركها كلها لأنها أكثر من أن تحصى.

أما من طرفنا نحن العامة الذين نعيش على أرض دولنا العربية، علينا أن نقوم بحملة ضد هذه الظاهرة، وهي بسيطة ولكن بالتأكيد ستعطي فعالية كبيرة وستغير أسلوب حياتنا، فلو أن كل متصل عربي مع أي شركة أو بنك أو جهة حكومية كانت أم خاصة، عند مخاطبة أي موظف معه بلغة غير العربية رفض التحدث إلا بالعربية لاضطرت تلك الشركات لتوظيف شخص يتكلم العربية، وكذلك الحال في الحياة اليومية أو في أي مكان نذهب إليه، بحيث نرفض توقيع أي ورقة رسمية بغير العربية، وأنا شخصياً أفعل هذا ما لم أضطر. فالتغيير يبدأ من أنفسنا نحن لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فأن لم نبدأ بأنفسنا لن نتقدم أبداً. فنحن الآن نقتل اللغة العربية في بلاد العرب المسلمين بإشاعتنا اللغات الأجنبية وتفضيلها في كافة مجالات حياتنا.

                                                                                                         حسام تاج الدين

                                                                                                HusamPress@Gmail.com

You must be logged in to post a comment.

Our Partners